رُهاب النهايات.

Screenshot at Nov 13 04-26-40

يلتقط ظرف الرسالة مع أنفاسه. يمسكها بين يديه دون أن يكون متأهباً للكلمات المسنونة التي ستصوبه عن قريب. لم يشهد نفسه أبداً بهذا الهوان أمام ورقة قد طُويت لنصفين.. يخاف أن حسان يشطره هو بدلاً منها. فكر كثيراً بماذا ستحمل له الرسالة الأخيرة. عتاب.. حنين.. كلامٌ قاسٍ.. أم ستفيض السطور بالحب.. كلها تخمينات لا تنفع إلا لتصيره مجنوناً. لأنه يعلم بأن لا شئ يبقى حبيساً في ذهنه إلا ماكان آخر شئ.. آخر حديث.. نظرة.. تلويحة وداع.. لا مفر من كل هذا لأن الذاكرة لم تتعلم أبداً كيف تنسى ما انتهت عليه الأشياء.. الأشياء التي أحببناها. لأن النهاية تهمنا، نود لو نكون كخاتمة كتابٍ مثالية كل شئ ينتهي بسعادة والأشياء تعود لمكانها، نخاف دوماً من الفوضى العارمة التي قد تفعلها النهاية بنا. قضى وقته متردداً عن فتح الرسالة لاكنه يفعلها أخيراً. 

Screenshot at Nov 13 04-26-54.png

بات يتأمل المكتوبَ بشرود وكأن هناك غشاوةً على عينيه، يُخيَل له أن يرى نفسه مشنوقٌ بالكلمات قبل أن يتم السطر الأخير. يخاف أن تتهاوى أمامه الحروف لفرط ماكان ممسكاً بها. وبجسارة الجبان.. يقرر أن يضع أصبعهُ المرتعد ليتتبع فيه إلى أين تأخذه السطور، ويلمس آخر ماخطتهُ يدا صديقه.. “في البداية.. بسم الله الرحمن الرحيم.. سيد أمير أرسل لك عميق احترامي” يختفي صوت جموع الناس حوله شيئاً فشئ.. لينغمس في الورقة. عيناهُ تلتقط الكلمات بسرعة قبل أن ينهار ما استطاع تمالكه من جسارة. يُكمل.. ” أتمنى أن تصلك هذه الرسالة وأنت بصحة جيدة ويغمرك ضوء من نعمَ الله، كم أتمنى أن تعود، ولو فعلت ذلك.. ستجد بانتظارك صديقاً قديماً ومخلصاً” تذكر اعتيادنا على الجلوس تحت ظل شجرة الرمان في حين كنت أنا أستمع لك وأنت تقرأ لي من كتبك، الان أقحل الهضبة والشجرة لم تنتج منذ سنين لكنني أنا وابني لا نزال نجلس تحتها وأخذت دورك في أن أقرأ له، وسوهراب قريباً سيصبح قادراً أن يقرأ من الكتاب نفسه، أنا فخور” توقف مطولاً عند هذا السطر بالتحديد.. يشعر بانقباض قلبه. كان يُكمل.. ويتوقف.. ويكمل مرة أخرى.. كما لو كانت تغرقه الفاصلة والنقطة.. وتنتشله جملة أخرى من التي قبلها. كان يقاوم الغرق في الألم.

Screenshot at Nov 13 04-27-56.png

يستمر.. “كان كلي أمل أن أحمل إحدى رسائلك بيدي وأقرأ عن حياتك وما فعلت هناك لكن بيوم ما، افتقدت لقصصك” يدنو برأسه..  يشعر بثقل هذا السطر يسحبه للندم. كان هناك بالإمكان فعله.. كان يستطيع أن يحدثه بالتفاصيل حتى يمل من حكاياته. يُكمل “أخبرت ابني الكثير عنك، كيف كبرنا سوياً نلعب معاً، نركض في الشوارع لكن طفولتنا ماتت منذ زمن بعيد، والخير رحل عن هذه الأرض، الخوف في كل مكان، إنه جزء من حياتنا هنا” يكمل.. “كم حلمت بتحليق الطائرات الورقية في السماء كما كنا نفعل سابقاً” 

Screenshot at Nov 13 04-28-10

لاكن ولى ومضى. فات منه كل ماكان يستطيع أن يفعله. كان مثل الذي يحول بين صديقه وأمنياته الصغيرة. لتبقى “لو” تعيش في حلقه. وتقتات من وجعه. طيلة هذه الأيام التي مضت كانت أمام عينه الطائرة الزرقاء، لاكن لم يفكر في أن يحلق بها من أجله. كان في يديه أن يحلق بأمنياته. وكل هذا كان بثمن الرسالة الأخيرة. كم تمنى لو كان آخر من يبعث رسائل.. كي لاتعيش فيه كلماته الأخيرة.

 .

.

قال له صديقه مرة وهم يلعبون عداء الطائرة الورقية: “For you, a thousand times over” كان يصرخ بها وهو يلوح من أجله طائرته الزرقاء في السماء كما يتمنى أمير أن يفوز ولو مرة بلعبة العداء بالطائرات أمام أبناء الحي. كان مستعداً ليفعلها ألف مرة ومرة لأجله.

أمير يحدث نفسه: “صحيح أن هذا حدث منذ زمن طويل، لكنهم مخطئون فيما قالوه عن الماضي، لقد تعلمت كيف أدفنه، إلا أنه دائماً يجد طريق عودته”. كل شئ يعود بي إلى الأيام التي عشتها مع حسان، لازلت أتصفح الذكريات كما لو كانت كالكتاب أمامي… الوقت يسرق عمري وأنا منغمسٌ في التفكير. كل الناس حولي قاموا وحل أمكانهم أشخاص غيرهم. المحال أغلقت لأن الوقت تأخر. إلا أنا باقٍ ولم أُغلق أبداً الأبواب التي تسحبني للألم. “أتذكر جيداً كيف كان يبتسم بإبتسامة واسعة كسماء كابول في الليالي التي ترتعش فيها أشجار الصفصاف ويعلو صوت الطيور في الحدائق” كانت فقط ابتسامة، لاكنها كانت تجعل كل شئ على مايرام. أتذكر كيف كان حسان لم يكن بمقدوره أن يقرأ حرف واحد، لكنه كثيراً ماكان يقرأني حتى كان ذلك مقلقاً إلى حدٍ ما. بالوقت نفسه كان من المريح أن أجد شخصاً يعرف تماماً ماكنت أحتاجه. والآن هذه الرسالة بخط يده. يستوعب أمير من الرسالة الكثير، كان وراء الكلمات شئ مخبوء، حسان كان يخبره بطريقته أن الصداقة ليست بالأيام التي قضاها معه. بل باليد التي كان ممدودة بالعطاء. كما لو كان يقول أن تكون صديق لأحد يعني أن تفعلها ألف مرة ومرة لأجله. فقده كان صعباً علي، أن تملك ثم تفقد أكثرُ إيلاماً من ألا تملكَ أصلاً. لاكنه أمرُ الحياة. والحياة تمضي بنا.

“In the end, the world always wins. That’s just the way of things.”

― Khaled Hosseini, The Kite Runner

 

 

يومٌ عادي.

يوم آخر بعاديته.

المكان ساكنٌ وبارد على حاله.

Image 11-10-19 at 7.48 PM.jpg

الأشياء كما تُركت. التماثيل الخاوية المملؤة بالسكون والصور التي احتوتها البراويز لسنين كما وعدت.. على الرفِ ذاته. كوبُ الماء الذي تُركَ مملؤاً نصفه. الغبار الذي خلفتهُ عاصفةَ أمس على شباك غرفتي. الستائر التي لم تشعر بالممل عن التأرجحِ يوماً. الشمسُ التي تتلصص كل يومٍ علي. الأبجورة المضاءةُ بلا كلل منذ ليلةِ الأمس. الشمعةُ التي احترقت بما يكفي لينتهي بها الحال لعلبةِ مفاتيح. كتبٌ مبعثرة هنا وهناك و أوراق غير مهمة تكدست بينها. كل شئ كما هو. كما تركته. عداي. نحن لانبقىَ  على حالٍ واحد. عصيين عن الثباتالجمود فقط صفة الأشياء الغير حقيقية. ونحن بحقيقتنا نمضي نحو حالٍ آخر كل يوم.

أقف أمام المرآة. شئ ما اختلف هذه المرة. لم أعد ذاتي بالأمس. أشياءٌ كانت هنا في يدي وسقطت، ليس لأني لم أجيدَ حملها بل هكذا القدر أرادلأن الحياة لم تعد تعاملنا أطفالاً مدللين. كبُرت. وسلمت أمري للحياة. تأخذ ما شائت وتعطيني ما شائت. وأنا أعلم أنه ينصب في ما تشاء أغوار ذاتي في الأخير. لم أفهم الحياة بهذه الطريقة يوماً مثل اليوم. لأن الحياة جائت على شيفرة. لن تفهمها بسطحيتك. لن تفهمها إلا ما إذا وقفت أمام المرآة ورأيت بعمق الأشياء حتى تسمعها تجيبك بصوتها. هكذا صار معي تراءت أمامي كل الأجوبة. وكل الذي لا يرى إلا بعين الشعور. بعين الإيمان. وبعين اليقين.

عن يميني شخص لم أتخيل يوماً أن يقف جانبي، صورتهُ لي الأيام بعيداً بالبعد المادي. لاكن كان قريباً للحد الذي تحسسته بقلبي جانبي ليجعلَ من وقع الدهشة واضحاً في تقويسة حاجباي وضحكتي للأبد. بريقُ عيناي الذي نضحَ لربما لأشياءَ أحبتني يوماً ولم ألحظ أن الله وضعها دائماً في طريقي لتبددَ عادية الأيام.

ومن خلفي أشخاص آمنتُ بهم، وهوت بي ظنوني لمنحدر الخيبة. ورغم كل هذا لم أقف أبداً في وجه الراحلين، لأني على يقين أنهم اختاروا البُعدَ بلا تردد واخترت أنا أن أكون في المكان ذاته. في لو أعادتهم الأيام، فلن أكون ممن أخلف الوعد والميعاد.

وعلىَ يساري كان الخوف الذي لابدَّ أن أنفُثَ عليه ثلاثاً ليرحل. أفتشُ عن التعويذات. لأجدها في صوت أمي. في الأيام الحلوة. في الليالي المليئة بضحكات أصدقاء. في السطر الذي وقفت عندهُ مطولاً لفرط ماكان يشبهني. في الآية التي انبعثت من مذياع السيارة لتستقرَ أبداً في قلبي بطمأنينة. كل هذا بدا لي وكأنني انتظرتهُ طويلاً وجاء ليكونَ عزائي الوحيد.

 وأمامي.. ليس إلا أنا بكل التساؤلات التي تختبئ في عيناي بشغف التائه عن الوجهة. وغيمة أفكارٌ فوق رأسي تعصف فيني تارةً. وتمطر تارةً وتصفو. أنا بكل ما سقط مني وماتاه فيَّ وعني وما احتواني واحتويته. وبعد فصولٌ شتىَ عاشت فيَّ.. مر اليوم عادياً على الأشياء من حولي.. عدا أنه مر من خلالي هذه المرة.

الجو غائمٌ هنا.

ابقى خلف الباب ياصديقي، واوصده جيداً. فالجو غائم هنا. 

والمطر قد يهطل على حين غرة. عيناك ستصبحان حينئذ.. مغمورتان بالمطر. كل مكان حولك سيصبح مبتل.. ومنه لامفر. وخوفي كل الخوف أن يكدر صفوك البلل، أو قد يصيبك منه الضجر. أن تطول الرحلة وأنت متورط بكل هذا.. معي.


m

أنت تعلم جيداً، كما أنا أعلم.. أن الأيام لها وجوهٌ كثيرة. لا شئ يبقى على حاله. لاعلينا سوى أن نبقى نحنُ ثابتين رغم كل هذا التقلب، ليس من أجلنا فقط.. فهناك من يستند علينا. هذا ماعنيته حينما خشيتُ أن تأتي ورائي، فكل خوفي أن نغرق معاً ولا يقدر بعدها أن ينتشل أحدنا الآخر. ابقى خلف الباب، واوصده ياصديقي. أما أنا فلا عليك قد حملت المظلة في يدي دائماً. ذلك يعني.. إني أخذت بالسبب. أياً كانت ماتعنيه المظلة، مايهم إني أحتمي بها من الأقدار التي ليست على مقاس مزاجيتنا. الأقدار التي تحدث رغماً عننا. لذا وإن حدث ماحدث دائماً ما أضع نفسي في المنتتصف من الأشياء، أن لا أغالي في الغمرة في شعور ما وأن لا أستخف به، لأني عرفت إن إحداهما سيجعلني غريقاً لا محالة أو قد يجعلني أطفو من السخافة واللامبالاة!

أن لا أتجاهل الشعور، لأن بالمقاومة ستجرفني موجته الكبيرة نحو كل شئ لم يكن بالحسبان. وسترتطم كل آمالي المزيفة، بجدار الواقع المتين. حينها سيوقظني صوت التهشم لا محالة وإن أمدتني المقاومة بذاك الشعور المزيف بالراحة الذي يستحيل أن يدوم لي طول العمر.

أن أقبل بالأقدار، أواجهها بكل ما أوتيت من قوة، لا أزيحُ وجهي عنها فذلك قد يجعل من السهل عليها أن تصفعني.

بت أضع لكل ماهو آتٍ بأوجه من احتمالات كثيرة. لأن الذي لا يتوقع، تصيبه الخيبة ياعزيزي. فعندما أحسست وقتها أن المطر سيهطل. حملت معي المظلة في حين أنك نسيتها بعدما خرجت ورائي مسرعاً.. لأنك دائماً ماتظن أنه لا تعني لك صداقتك بي شيئاً إلا حين تمد يدك لإنتشالي من جو كهذا، أما أنا فلا تعني لي صداقتي بك شيئاً حين أورطك بأمر لاتستحق أن تمر به. أنا أفهم شعورك، لاكن على إحدانا أن يواجه العاصفة وحده كي لانسقط معاً من فرط ما قد تفعل بنا العاصفة. لاتخف، أخبرتك تعلمت الكثير مما قد يجعلني أواجه الأشياء وحدي. ستبقى صديقي الذي يغمرني بدعواته. وبذلك مددت لي يدك.

.

.

كل مطر وأنت صديقي.

لك حبٌ لايفنى.

أكتب هذا، لمن علمني كيف أكتب بكل عاطفتي، بحروفٍ من حب غزير قد أسقاني إياه.

ccc
تتوالى الأيام، يجئُ ليلٌ تذهب شمساً، تجئُ شمسٌ يذهب ليلاً. وما بين على البال مرة وفي الأحلام مرة.. تزورني أنت، فيبدد سكوني اضطرابٌ من الشوق إليك كعصفورٌ يلهو في صدري، يقلب أضلاعي فيُضَيقُ عليَّ اتساع صدري. وبينما العالمُ يلهو من حولي، أنا أذكرك وتبكي معي ذاكرتي لحظات كثيرة، مليئةٌ بك. نعم لازلت أستمرُ بالعيش، لاكن لازلت مغمورةٌ بالفقد ما قد يملأ محيط الأرض والسماوات. وليس أمامي إلا أن أتماثل بالثبات من أجلك وأجل العالم من حولي، فقد كان هذا وعدي لك.

أكتب لمن يمناه كانت توجهني.

كان الطريق لا يتضح إلا بكلماتك التي تهمس بها في أذني كل ليلة، كما لو كانت تمهد لي وعورة الحياة. تصوب لي أخطائي.. متى ما أضعت استقامة الطريق، تشير لي أن هناك فوق الغيوم مكانٌ، يستحقني وأستحقه. تقطفُ لي نجوم السماء كي تضئ عتمتي ما إن تغرقني الكآبة. يمناك التي لا زلت أشعر بلمستها تسندني.. هي سبب ثباتي على هذا الطريق.. وإقدامي لكل خير، لطالما تمنيته لي.

  • إلى من كنتُ كبيرة بعينه. 

أذكر كيف كنت دائماً تناولني هاتفك وتريني رسالة قد كتبتها لصديقٌ لك، تطلب مني أن أنقح الكلام من بعدك! فاقطع عليك استرسال كلامك بنظرة تعجب مني وبنبرة تساؤل، أما أنت تكتب أجمل مما أنا أحاول؟! فتقول هذا كان زمان، أما الآن فأصبحتِ مستشارتي، فقد سبقتيني بكثير!

لمن لا أبصر الأشياء إلا وجهه.

في ملامحي أراك، كما لو كنت تحيا فيني للأبد. في التجاعيد التي تحوط عينا أمي كما لو كانت تشهد على وفائك في مقاسمتك العمر كلهُ بجانبها. أراك في كل مرة أمسكُ بالأشياء التي طالما أحبتتها، كوب الشاي الذي لا ترضىَ بغيره، كتابك، ألبوم الصور الذي ملأته باللحظات السعيدة.. و أولها أنت.

أكتبُ لمن كان أكثر من مجرد أب. لمن أغدقني، أغرقني، أهطلني حباً كما تهطلُ الأمطارُ بسخاء، لك حبٌ لا يفنى يا أبي.

ما يشبه الأيدي المنقذة.

هناك دائماً أيدي حولك تنقذك من عتيمٌ قد حوطكَ، فحيث يوجد هذا العتيم يوجد دائماً أيدي تحاول إنقاذك من الغرق وسطه وكأنه قاع محيط مجهولٌ عمقه إلى حيث النور يكون.

أيدي لا ترضى عليكَ أن تتقوس ابتسامتك للأسفل، وتراك تنهار أنت معاها لذات الإتجاه شيئاً فشيئاً. كثيرٌ مايشبه تلكَ الأيدي، صوت أمك مثلاً، حديثك المطول عن أخطائك الحمقاء مع الذي أقرب إليك من حَبل الوريد، مطر مفاجئ بعد ليلة من جو مُتعكر، قلم لايعرف من يمسك به وورقة تحفظ سر الذي كُتب ورغم كل ذلك تمتص الكتابة كل شعور سئ فيك كما لو كان تربيتة كتف، سماء للتأمل بلا ملل ولا كلل، دعاء من غريب يجعلك تعي أن الحب موجودٌ في كل مَن على هذه الأرض بلا مقابل.

وكثيرٌ من الذي يشبه اللجوء لنور نسيته بداخلك أو غفلت عنه وهو حولك في مكان ما.

عندما تغيب وجوه الأشياء.

lhh

تغرق الشمس.. تذوب في فم الموج دون رحمة، يحتضر النور من جسد الأشياء.. فتفقد عينا بصيرتك! ثم حتى أن الصوت الذي داخلك الذي كان يمهد لك رؤية الأشياء على ما هي تتعثر فيه بالرغم منه! تفقد الإدراك بالأشياء حتى يختلط في عقلك الحابل بالنابل ، وترى نفسك تتعثر بين الوجوه وتسأل

من يعانقني ومن يعصر جسدي؟

من بيده يسند ظهري ومن يطعن بها؟

من بعينه يرعاني ومن بها يحسدني؟

تستوعب بعدها بأن الشخص الذي تعرفه جيداً لم تعد تعرفه جيداً.. تتخبط بين الأيام لاتدري أين هو يومك بينهم ، اليوم الذي تتجلى فيها الأشياء على ماهيتها ، اليوم الذي تكون فيه أنت.. دون أن تموج بموجهم ، يضيع منك الوقت دون أن تفهم شئ بقدر التعب ، حتى أنك تصبح لاتدري من أنت وأينك على الطريق.

.

.

ثم ماذا بعد؟ ثم يجرفك كل هذا وتغرق. 

الصديق ذو الجناحين.

 

nn.jpg

قد لايبدو حقيقياً أن يملك الإنسان جناحين ، لكن صديقي لديه حقاً.. هو يطير حيث يُملي عليه قلبه الملئ بالشغف للأحلام، يناديني حتى أُمسِك به من وراءه لاكني لا أجرؤ مثله، أنا جبانة فضلت عدَ النجوم من على الأرض دون جدوى.

أما هو راح يشكل من غيوم السماء حياة ، نعم حياة بهذا البياض!

يُصِر على خوضي لتجربة الطيران معه ، أوافق أخيراً.. هو لم يجرني وراءه فقط ، بل علمني كيف أطير علمني كيف أقطف الغيوم ، حتى النجوم التي عرفت عددها مسبقاً وأنا مستلقاة تحت بكسل! ظللت أقطفها واحدة تلو الأخرى وهو يسندُني على كتفيه ، علقتها في سقف سمائي و انتظرتها تستعيد براقتها .. تأملت بعدها ليلة كاملة ما فعلت!

stars2.jpg

.

.

هو يقول لي علينا أن نعيش ، لا أن نتعايش اللاشئ.. أن لا نساير الحياة بل نسير فيها بكل وعورتها ويُسرها، أن الطريق ليس متعب وطويل.. فلو أدرنا وجوهنا نحو المساحة الخضراء التي على جانبيه.. للفراشات التي تحوم حولنا والتي اعتدنا أن لا نعيرها أي انتباه .. سنرى أننا وصلنا بالفعل.

road2.jpg

في كل مرة أنا أفرغ عليه الكم الهائل من السلبية،  في كل مرة يقرأ غضبي على كل شئ هو يسكب الماء البارد على قلبي، اعتقدت أنه سيأتي اليوم الذي يمل مني لامحالة ، أخبرته إني سأفرغ عليه طاقته وسيتعب.. يقول بل سيتعبك صبري عليك!

بمثله ماذا أدين له؟ وهل حقاً الشكر يكفي؟ أحياناً أشعر أنه مرسولٌ من الله لأجلي.

فكيف أشكر الله!